عبد القادر الجيلاني
91
سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار
يَتَبَوَّأُ مِنْها حَيْثُ يَشاءُ نُصِيبُ بِرَحْمَتِنا مَنْ نَشاءُ وَلا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [ يوسف : الآية 56 ] ، قال تعالى في ملك النفس : كَذلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبادِنَا الْمُخْلَصِينَ [ يوسف : الآية 24 ] ، وقال تعالى في ملك المعرفة والعلم : ذلِكُما مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي إِنِّي تَرَكْتُ مِلَّةَ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ [ يوسف : الآية 37 ] ، فإذا خوطبت بهذا الخطاب يا أيها الصديق الأكبر ، أعطيت الحظ الأوفر ، من العلم الأعظم ، ومنحت وهنيت بالتوفيق والمنن والقدرة والولاية العامة ، والأمر النافذ على النفس وغيرها من الأشياء والتكوين ، بإذن إله الأشياء في الدنيا قبل الآخرة . وأما في الأخرى في دار السلام والجنة العليا ، فالنظر إلى وجه المولى الكريم زيادة ومنه ، وهو المنى الذي لا غاية له ولا منتهى ، واللّه الموفق لحقائق ذلك ، إنه رؤوف رحيم . المقالة السابعة والعشرون في أن الخير والشر ثمرتان قال رضي اللّه عنه وأرضاه : اجعل الخير والشر ثمرتين من غصنين من شجرة واحدة ، أحد الغصنين يثمر حلوا والآخر مرّا ، فاترك البلاد والأقاليم ونواحي الأرض التي يحمل إليها هذه الثمار المأخوذة من هذه الشجرة ، وابعد منها ومن أهلها واقترب من الشجرة وكن سائسها وخادمها القائم عندها ، واعرف الغصنين والثمرتين والجانبين ، فكن إلى جانب الغصن المثمر حلوا ، فحينئذ يكون غذاؤك وقوتك منها ، واجتنب أن تقدم إلى جانب الغصن الآخر فتأكل من ثمرته فتهلك من مرارتها ، فإذا دمت على هذا كنت في دعة وأمن وراحة وسلامة من الآفات كلها ، إذ الآفات وأنواع البلايا تتولد من تلك الثمرة المرة ، وإذا غبت عن تلك الشجرة وهمت في الآفاق وقدم بين يديك من تلك الثمرتين وهي مخلطة غير متميزة الحلوة من المرة هنا فتناولت منها ، فربما وقعت يدك على المرة فأدنيتها من فيك فأكلت منها جزءا ومضغته ، فسرت المرة إلى أعماق لهواتك وباطن حلقك ودماغك وخياشيمك ، فعملت فيك وسرت في عروقك وأجزاء جسدك فهلكت بها ، ولفظك الباقي من فيك وغسل أثره لا ينفع ولا يدفع عنك ما قد سرى في جسدك ولا ينفعك ، وإن أكلت ابتداء من الثمرة الحلوة وسرت حلاوتها في أجزاء جسدك وانتفعت بها وسررت فلا يكفيك ذلك ، فلا بد تتناول غيرها ثانيا ، فلا تأمن أن تكون الثانية من المرة فيحل بك ما ذكرته لك ، فلا خير في البعد عن الشجرة والجهل بثمرتها والسلامة في قربها